صدقة جارية عن عبدالله الهقشا رحمه الله اللهم اغفر له وارحمه واجعل القرآن نورًا له
القرآن الكريم للجميع

كتاب الله بين يديك
قراءةً واستماعًا وتدبرًا

تصفح القرآن الكريم، استمع لقراء متعددين، واقرأ التفاسير وترجمات المعاني بعدة لغات في واجهة هادئة ومريحة.

مواقيت الصلاة اليوم

الرياض، المملكة العربية السعودية

——
الصلاة القادمة—--:--:--
الفجر--:--
الشروق--:--
الظهر--:--
العصر--:--
المغرب--:--
العشاء--:--
طريقة الحساب: أم القرى - مكة
القرآن الكريم للجميع

سورة الكهف - تفسير القرطبي - الآية 110

سورة الكهف - تفسير القرطبي - الآية 110
قُلْ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٌۭ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰٓ إِلَىَّ أَنَّمَآ إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌۭ وَٰحِدٌۭ ۖ فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًۭا صَٰلِحًۭا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدًۢا ﴿١١٠﴾

سورة الكهف تفسير القرطبي

أَيْ لَا أَعْلَم إِلَّا مَا يُعَلِّمنِي اللَّه تَعَالَى , وَعِلْم اللَّه تَعَالَى لَا يُحْصَى , وَإِنَّمَا أُمِرْت بِأَنْ أُبَلِّغكُمْ بِأَنَّهُ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه .



أَيْ يَرْجُو رُؤْيَته وَثَوَابه وَيَخْشَى عِقَابه .



قَالَ اِبْن عَبَّاس : نَزَلَتْ فِي جُنْدُب بْن زُهَيْر الْعَامِرِيّ قَالَ : يَا رَسُول اللَّه إِنِّي أَعْمَل الْعَمَل لِلَّهِ تَعَالَى , وَأُرِيد وَجْه اللَّه تَعَالَى , إِلَّا أَنَّهُ إِذَا اُطُّلِعَ عَلَيْهِ سَرَّنِي ; فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ اللَّه طَيِّب وَلَا يَقْبَل إِلَّا الطَّيِّب وَلَا يَقْبَل مَا شُورِكَ فِيهِ ) فَنَزَلَتْ الْآيَة . وَقَالَ طَاوُس قَالَ رَجُل : يَا رَسُول اللَّه ! إِنِّي أُحِبّ الْجِهَاد فِي سَبِيل اللَّه تَعَالَى وَأُحِبّ أَنْ يُرَى مَكَانِي فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة . وَقَالَ مُجَاهِد : جَاءَ رَجُل لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه ! إِنِّي أَتَصَدَّق وَأَصِل الرَّحِم وَلَا أَصْنَع ذَلِكَ إِلَّا لِلَّهِ تَعَالَى فَيُذْكَر ذَلِكَ مِنِّي وَأُحْمَد عَلَيْهِ فَيَسُرّنِي ذَلِكَ وَأُعْجِب بِهِ , فَسَكَتَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا , فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى " فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبّه فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِك بِعِبَادَةِ رَبّه أَحَدًا " .

قُلْت : وَالْكُلّ مُرَاد , وَالْآيَة تَعُمّ ذَلِكَ كُلّه وَغَيْره مِنْ الْأَعْمَال . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي سُورَة " هُود " حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة الصَّحِيح فِي الثَّلَاثَة الَّذِينَ يُقْضَى عَلَيْهِمْ أَوَّل النَّاس . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي سُورَة " النِّسَاء " الْكَلَام عَلَى الرِّيَاء , وَذَكَرْنَا مِنْ الْأَخْبَار هُنَاكَ مَا فِيهِ كِفَايَة . وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ وَقَالَ جَمِيع أَهْل التَّأْوِيل : مَعْنَى قَوْله تَعَالَى : " وَلَا يُشْرِك بِعِبَادَةِ رَبّه أَحَدًا " إِنَّهُ لَا يُرَائِي بِعَمَلِهِ أَحَدًا . وَرَوَى التِّرْمِذِيّ الْحَكِيم رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى فِي ( نَوَادِر الْأُصُول ) قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى قَالَ : حَدَّثَنَا مَكِّيّ بْن إِبْرَاهِيم قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْد الْوَاحِد بْن زَيْد عَنْ عُبَادَة بْن نُسَيّ قَالَ : أَتَيْت شَدَّاد بْن أَوْس فِي مُصَلَّاهُ وَهُوَ يَبْكِي , فَقُلْت : مَا الَّذِي أَبْكَاك يَا أَبَا عَبْد الرَّحْمَن ؟ قَالَ : حَدِيث سَمِعْته مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا , إِذْ رَأَيْت بِوَجْهِهِ أَمْرًا سَاءَنِي فَقُلْت : بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُول اللَّه مَا الَّذِي أَرَى بِوَجْهِك ؟ قَالَ : ( أَمْرًا أَتَخَوَّفهُ عَلَى أُمَّتِي مِنْ بَعْدِي ) قُلْت : مَا هُوَ يَا رَسُول اللَّه ؟ قَالَ : ( الشِّرْك وَالشَّهْوَة الْخَفِيَّة ) قُلْت : يَا رَسُول اللَّه ! وَتُشْرِك أُمَّتك مِنْ بَعْدك ؟ قَالَ : ( يَا شَدَّاد أَمَا إِنَّهُمْ لَا يَعْبُدُونَ شَمْسًا وَلَا قَمَرًا وَلَا حَجَرًا وَلَا وَثَنًا وَلَكِنَّهُمْ يُرَاءُونَ بِأَعْمَالِهِمْ ) قُلْت : وَالرِّيَاء شِرْك هُوَ ؟ قَالَ : ( نَعَمْ ) . قُلْت : فَمَا الشَّهْوَة الْخَفِيَّة ؟ قَالَ : ( يُصْبِح أَحَدهمْ صَائِمًا فَتَعْرِض لَهُ شَهَوَات الدُّنْيَا فَيُفْطِر ) قَالَ عَبْد الْوَاحِد : فَلَقِيت الْحَسَن , فَقُلْت : يَا أَبَا سَعِيد ! أَخْبِرْنِي عَنْ الرِّيَاء أَشِرْكٌ هُوَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ; أَمَا تَقْرَأ " فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبّه فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِك بِعِبَادَةِ رَبّه أَحَدًا " . وَرَوَى إِسْمَاعِيل بْن إِسْحَاق قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن أَبِي بَكْر قَالَ حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان عَنْ لَيْث عَنْ شَهْر بْن حَوْشَب قَالَ : ( كَانَ عُبَادَة بْن الصَّامِت وَشَدَّاد بْن أَوْس جَالِسَيْنِ , فَقَالَا : إِنَّا نَتَخَوَّف عَلَى هَذِهِ الْأُمَّة مِنْ الشِّرْك وَالشَّهْوَة الْخَفِيَّة , فَأَمَّا الشَّهْوَة الْخَفِيَّة فَمِنْ قِبَل النِّسَاء ) . وَقَالَا : سَمِعْنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : ( مَنْ صَلَّى صَلَاة يُرَائِي بِهَا فَقَدْ أَشْرَكَ وَمَنْ صَامَ صِيَامًا يُرَائِي بِهِ فَقَدْ أَشْرَكَ ) ثُمَّ تَلَا " فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبّه فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِك بِعِبَادَةِ رَبّه أَحَدًا ) .

قُلْت : وَقَدْ جَاءَ تَفْسِير الشَّهْوَة الْخَفِيَّة بِخِلَافِ هَذَا , وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي " النِّسَاء " . وَقَالَ سَهْل بْن عَبْد اللَّه : وَسُئِلَ الْحَسَن عَنْ الْإِخْلَاص وَالرِّيَاء فَقَالَ : مِنْ الْإِخْلَاص أَنْ تُحِبّ أَنْ تَكْتُم حَسَنَاتك وَلَا تُحِبّ أَنْ تَكْتُم سَيِّئَاتك , فَإِنْ أَظْهَرَ اللَّه عَلَيْك حَسَنَاتك تَقُول هَذَا مِنْ فَضْلك وَإِحْسَانك , وَلَيْسَ هَذَا مِنْ فِعْلِي وَلَا مِنْ صَنِيعِي , وَتَذْكُر قَوْله تَعَالَى : " فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبّه فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِك بِعِبَادَةِ رَبّه أَحَدًا ) . ( وَاَلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا " [ الْمُؤْمِنُونَ : 60 ] الْآيَة ; يُؤْتُونَ الْإِخْلَاص , وَهُمْ يَخَافُونَ أَلَّا يُقْبَل مِنْهُمْ ; وَأَمَّا الرِّيَاء فَطَلَب حَظّ النَّفْس مِنْ عَمَلهَا فِي الدُّنْيَا ; قِيلَ لَهَا : كَيْفَ يَكُون هَذَا ؟ قَالَ : مَنْ طَلَبَ بِعَمَلٍ بَيْنه وَبَيْن اللَّه تَعَالَى سِوَى وَجْه اللَّه تَعَالَى وَالدَّار الْآخِرَة فَهُوَ رِيَاء . وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا رَضِيَ اللَّه تَعَالَى عَنْهُمْ : وَقَدْ يُفْضِي الرِّيَاء بِصَاحِبِهِ إِلَى اِسْتِهْزَاء النَّاس بِهِ ; كَمَا يُحْكَى أَنَّ طَاهِر بْن الْحُسَيْن قَالَ لِأَبِي عَبْد اللَّه الْمَرْوَزِيّ : مُنْذُ كَمْ صِرْت إِلَى الْعِرَاق يَا أَبَا عَبْد اللَّه ؟ قَالَ : دَخَلْت الْعِرَاق مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَة وَأَنَا مُنْذُ ثَلَاثِينَ سَنَة صَائِم ; فَقَالَ يَا أَبَا عَبْد اللَّه سَأَلْنَاك عَنْ مَسْأَلَة فَأَجَبْتنَا عَنْ مَسْأَلَتَيْنِ . وَحَكَى الْأَصْمَعِيّ أَنَّ أَعْرَابِيًّا صَلَّى فَأَطَالَ وَإِلَى جَانِبه قَوْم , فَقَالُوا : مَا أَحْسَنَ صَلَاتك ؟ ! فَقَالَ : وَأَنَا مَعَ ذَلِكَ صَائِم . أَيْنَ هَذَا مِنْ قَوْل الْأَشْعَث بْن قَيْس وَقَدْ صَلَّى فَخَفَّفَ , فَقِيلَ لَهُ إِنَّك خَفَّفْت , فَقَالَ : إِنَّهُ لَمْ يُخَالِطهَا رِيَاء ; فَخَلَصَ مِنْ تَنَقُّصهمْ بِنَفْيِ الرِّيَاء عَنْ نَفْسه , وَالتَّصَنُّع مِنْ صَلَاته ; وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي " النِّسَاء " دَوَاء الرِّيَاء مِنْ قَوْل لُقْمَان ; وَأَنَّهُ كِتْمَان الْعَمَل , وَرَوَى التِّرْمِذِيّ الْحَكِيم حَدَّثَنَا أَبِي رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى قَالَ : أَنْبَأَنَا الْحِمَّانِيّ قَالَ : أَنْبَأَنَا جَرِير عَنْ لَيْث عَنْ شَيْخ عَنْ مَعْقِل بْن يَسَار قَالَ قَالَ أَبُو بَكْر وَشَهِدَ بِهِ عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ : ذَكَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الشِّرْك , قَالَ : ( هُوَ فِيكُمْ أَخْفَى مِنْ دَبِيب النَّمْل وَسَأَدُلُّك عَلَى شَيْء إِذَا فَعَلْته أَذْهَبَ عَنْك صَغَار الشِّرْك وَكِبَاره تَقُول اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذ بِك أَنْ أُشْرِك بِك وَأَنَا أَعْلَم وَأَسْتَغْفِرك لِمَا لَا أَعْلَم تَقُولهَا ثَلَاث مَرَّات ) . وَقَالَ عُمَر بْن قَيْس الْكِنْدِيّ سَمِعْت مُعَاوِيَة تَلَا هَذِهِ الْآيَة عَلَى الْمِنْبَر " فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبّه " فَقَالَ : إِنَّهَا لَآخِر آيَة نَزَلَتْ مِنْ السَّمَاء . وَقَالَ عُمَر قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ مَنْ قَرَأَ " فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبّه فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا " رُفِعَ لَهُ نُور مَا بَيْن عَدَن إِلَى مَكَّة حَشْوه الْمَلَائِكَة يُصَلُّونَ عَلَيْهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لَهُ ) . وَقَالَ مُعَاذ بْن جَبَل قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ قَرَأَ أَوَّل سُورَة الْكَهْف وَآخِرهَا كَانَتْ لَهُ نُورًا مِنْ قَرْنه إِلَى قَدَمه وَمَنْ قَرَأَهَا كُلّهَا كَانَتْ لَهُ نُورًا مِنْ الْأَرْض إِلَى السَّمَاء ) وَعَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ لَهُ رَجُل : إِنِّي أُضْمِر أَنْ أَقُوم سَاعَة مِنْ اللَّيْل فَيَغْلِبنِي النَّوْم , فَقَالَ : ( إِذَا أَرَدْت أَنْ تَقُوم أَيّ سَاعَة شِئْت مِنْ اللَّيْل فَاقْرَأْ إِذَا أَخَذْت مَضْجَعك " قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْر مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي " إِلَى آخِر السُّورَة فَإِنَّ اللَّه تَعَالَى يُوقِظك مَتَى شِئْت مِنْ اللَّيْل ) ; ذَكَرَ هَذِهِ الْفَضَائِل الثَّعْلَبِيّ رَضِيَ اللَّه تَعَالَى عَنْهُ . وَفِي مُسْنَد الدَّارِمِيّ أَبِي مُحَمَّد أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن كَثِير عَنْ الْأَوْزَاعِيّ عَنْ عَبْدَة عَنْ زِرّ بْن حُبَيْش قَالَ مَنْ قَرَأَ آخِر سُورَة الْكَهْف لِسَاعَةٍ يُرِيد أَنْ يَقُوم مِنْ اللَّيْل قَامَهَا ; قَالَ عَبْدَة فَجَرَّبْنَاهُ فَوَجَدْنَاهُ كَذَلِكَ قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : كَانَ شَيْخنَا الطُّرْطُوشِيّ الْأَكْبَر يَقُول : لَا تَذْهَب بِكُمْ الْأَزْمَان فِي مُصَاوَلَة الْأَقْرَان , وَمُوَاصَلَة الْإِخْوَان ; وَقَدْ خَتَمَ سُبْحَانه وَتَعَالَى الْبَيَان بِقَوْلِهِ : " فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبّه فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِك بِعِبَادَةِ رَبّه أَحَدًا " .