صدقة جارية عن عبدالله الهقشا رحمه الله اللهم اغفر له وارحمه واجعل القرآن نورًا له
القرآن الكريم للجميع

كتاب الله بين يديك
قراءةً واستماعًا وتدبرًا

تصفح القرآن الكريم، استمع لقراء متعددين، واقرأ التفاسير وترجمات المعاني بعدة لغات في واجهة هادئة ومريحة.

مواقيت الصلاة اليوم

الرياض، المملكة العربية السعودية

——
الصلاة القادمة—--:--:--
الفجر--:--
الشروق--:--
الظهر--:--
العصر--:--
المغرب--:--
العشاء--:--
طريقة الحساب: أم القرى - مكة
القرآن الكريم للجميع

سورة مريم - تفسير القرطبي - الآية 25

سورة مريم - تفسير القرطبي - الآية 25
وَهُزِّىٓ إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ تُسَٰقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًۭا جَنِيًّۭا ﴿٢٥﴾

سورة مريم تفسير القرطبي

فِيهِ أَرْبَع مَسَائِل :

الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : " وَهُزِّي " أَمَرَهَا بِهَزِّ الْجِذْع الْيَابِس لِتَرَى آيَة أُخْرَى فِي إِحْيَاء مَوَات الْجِذْع . وَالْبَاء فِي قَوْله : " بِجِذْعِ " زَائِدَة مُؤَكِّدَة كَمَا يُقَال : خُذْ بِالزِّمَامِ , وَأَعْطِ بِيَدِك قَالَ اللَّه تَعَالَى : " فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاء " [ الْحَجّ : 15 ] أَيْ فَلْيُمْدِدْ سَبَبًا . وَقِيلَ : الْمَعْنَى وَهُزِّي إِلَيْك رُطَبًا عَلَى جِذْع النَّخْلَة . " وَتَسَّاقَط " أَيْ تَتَسَاقَط فَأَدْغَمَ التَّاء فِي السِّين . وَقَرَأَ حَمْزَة " تَسَاقَطْ " مُخَفَّفًا فَحَذَفَ الَّتِي أَدْغَمَهَا غَيْره . وَقَرَأَ عَاصِم فِي رِوَايَة حَفْص " تُسَاقِط " بِضَمِّ التَّاء مُخَفَّفًا وَكَسْر الْقَاف . وَقُرِئَ " تَتَسَاقَط " بِإِظْهَارِ التَّاءَيْنِ و " يَسَّاقَط " بِالْيَاءِ وَإِدْغَام التَّاء " وَتُسْقِط " و " يُسْقِط " و " تَسْقُط " و " يَسْقُط " بِالتَّاءِ لِلنَّخْلَةِ وَبِالْيَاءِ لِلْجِذْعِ ; فَهَذِهِ تِسْع قِرَاءَات ذَكَرَهَا الزَّمَخْشَرِيّ رَحْمَة اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ . " رُطَبًا " نُصِبَ بِالْهَزِّ ; أَيْ إِذَا هَزَزْت الْجِذْع هَزَزْت بِهَزِّهِ " رُطَبًا جَنِيًّا " وَعَلَى الْجُمْلَة ف " رُطَبًا " يَخْتَلِف نَصْبه بِحَسَبِ مَعَانِي الْقِرَاءَات ; فَمَرَّة يَسْتَنِد الْفِعْل إِلَى الْجِذْع , وَمَرَّة إِلَى الْهَزّ , وَمَرَّة إِلَى النَّخْلَة . " وَجَنِيًّا " مَعْنَاهُ قَدْ طَابَتْ وَصَلُحَتْ لِلِاجْتِنَاءِ , وَهِيَ مِنْ جَنَيْت الثَّمَرَة . وَيُرْوَى عَنْ اِبْن مَسْعُود - وَلَا يَصِحّ - أَنَّهُ قَرَأَ " تُسَاقِط عَلَيْك رُطَبًا جَنِيًّا بَرْنِيًّا " . وَقَالَ مُجَاهِد : " رُطَبًا جَنِيًّا " قَالَ : كَانَتْ عَجْوَة . وَقَالَ عَبَّاس بْن الْفَضْل : سَأَلْت أَبَا عَمْرو بْن الْعَلَاء عَنْ قَوْله : " رُطَبًا جَنِيًّا " فَقَالَ : لَمْ يَذْوِ . قَالَ وَتَفْسِيره : لَمْ يَجِفّ وَلَمْ يَيْبَس وَلَمْ يَبْعُد عَنْ يَدَيْ مُجْتَنِيه ; وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح . قَالَ الْفَرَّاء : الْجَنِيّ وَالْمَجْنِيّ وَاحِد يَذْهَب إِلَى أَنَّهُمَا بِمَنْزِلَةِ الْقَتِيل وَالْمَقْتُول وَالْجَرِيح وَالْمَجْرُوح . وَقَالَ غَيْر الْفَرَّاء : الْجَنِيّ الْمَقْطُوع مِنْ نَخْلَة وَاحِدَة , وَالْمَأْخُوذ مِنْ مَكَان نَشْأَته ; وَأَنْشَدُوا : وَطِيب ثِمَار فِي رِيَاض أَرِيضَة وَأَغْصَان أَشْجَار جَنَاهَا عَلَى قُرْب يُرِيد بِالْجَنَى مَا يُجْنَى مِنْهَا أَيْ يُقْطَع وَيُؤْخَذ . قَالَ اِبْن عَبَّاس : كَانَ جِذْعًا نَخِرًا فَلَمَّا هَزَّتْ نَظَرَتْ إِلَى أَعْلَى الْجِذْع فَإِذَا السَّعَف قَدْ طَلَعَ , ثُمَّ نَظَرَتْ إِلَى الطَّلْع قَدْ خَرَجَ مِنْ بَيْن السَّعَف , ثُمَّ اخْضَرَّ فَصَارَ بَلَحًا ثُمَّ اِحْمَرَّ فَصَارَ زَهْوًا , ثُمَّ رُطَبًا ; كُلّ ذَلِكَ فِي طَرْفَة عَيْن , فَجَعَلَ الرُّطَب يَقَع بَيْن يَدَيْهَا لَا يَنْشَدِخ مِنْهُ شَيْء .

الثَّانِيَة : اِسْتَدَلَّ بَعْض النَّاس مِنْ هَذِهِ الْآيَة عَلَى أَنَّ الرِّزْق وَإِنْ كَانَ مَحْتُومًا ; فَإِنَّ اللَّه تَعَالَى قَدْ وَكَلَ اِبْن آدَم إِلَى سَعْي مَا فِيهِ ; لِأَنَّهُ أَمَرَ مَرْيَم بِهَزِّ النَّخْلَة لِتَرَى آيَة , وَكَانَتْ الْآيَة تَكُون بِأَلَّا تَهُزّ .

الثَّالِثَة : الْأَمْر بِتَكْلِيفِ الْكَسْب فِي الرِّزْق سُنَّة اللَّه تَعَالَى فِي عِبَاده , وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يَقْدَح فِي التَّوَكُّل , خِلَافًا لِمَا تَقُولهُ جُهَّال الْمُتَزَهِّدَة ; وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى وَالْخِلَاف فِيهِ . وَقَدْ كَانَتْ قَبْل ذَلِكَ يَأْتِيهَا , رِزْقهَا مِنْ غَيْر تَكَسُّب كَمَا قَالَ : " كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَاب وَجَدَ عِنْدهَا رِزْقًا " الْآيَة [ آل عِمْرَان : 37 ] . فَلَمَّا وَلَدَتْ أُمِرَتْ بِهَزِّ الْجِذْع . قَالَ عُلَمَاؤُنَا : لَمَّا كَانَ قَلْبهَا فَارِغًا فَرَّغَ اللَّه جَارِحَتهَا عَنْ النَّصَب , فَلَمَّا وَلَدَتْ عِيسَى وَتَعَلَّقَ قَلْبهَا بِحُبِّهِ , وَاشْتَغَلَ سِرّهَا بِحَدِيثِهِ وَأَمْره , وَكَلَهَا إِلَى كَسْبهَا , وَرَدَّهَا إِلَى الْعَادَة بِالتَّعَلُّقِ بِالْأَسْبَابِ فِي عِبَاده . وَحَكَى الطَّبَرِيّ عَنْ اِبْن زَيْد أَنَّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ لَهَا : لَا تَحْزَنِي ; فَقَالَتْ لَهُ وَكَيْفَ لَا أَحْزَن وَأَنْتَ مَعِي ؟ ! لَا ذَات زَوْج وَلَا مَمْلُوكَة ! أَيّ شَيْء عُذْرِي عِنْد النَّاس ؟ ! ! " يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْل هَذَا وَكُنْت نَسْيًا مَنْسِيًّا " فَقَالَ لَهَا عِيسَى : أَنَا أَكْفِيك الْكَلَام .

الرَّابِعَة : قَالَ الرَّبِيع بْن خَيْثَم : مَا لِلنُّفَسَاءِ عِنْدِي خَيْر مِنْ الرُّطَب لِهَذِهِ الْآيَة , وَلَوْ عَلِمَ اللَّه شَيْئًا هُوَ أَفْضَل مِنْ الرُّطَب لِلنُّفَسَاءِ لَأَطْعَمَهُ مَرْيَم وَلِذَلِكَ قَالُوا : التَّمْر عَادَة لِلنُّفَسَاءِ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْت وَكَذَلِكَ التَّحْنِيك . وَقِيلَ : إِذَا عَسِرَ وِلَادهَا لَمْ يَكُنْ لَهَا خَيْر مِنْ الرُّطَب وَلَا لِلْمَرِيضِ خَيْر مِنْ الْعَسَل ; ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيّ . قَالَ اِبْن وَهْب قَالَ مَالِك قَالَ اللَّه تَعَالَى : " رُطَبًا جَنِيًّا " الْجَنِيّ مِنْ التَّمْر مَا طَابَ مِنْ غَيْر نَقْش وَلَا إِفْسَاد . وَالنَّقْش أَنْ يُنْقَش مِنْ أَسْفَل الْبُسْرَة حَتَّى تُرَطِّب ; فَهَذَا مَكْرُوه ; يَعْنِي مَالِك أَنَّ هَذَا تَعْجِيل لِلشَّيْءِ قَبْل وَقْته , فَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَفْعَلهُ , وَإِنْ فَعَلَهُ فَاعِل مَا كَانَ ذَلِكَ مُجَوِّزًا لِبَيْعِهِ ; وَلَا حُكْمًا بِطِيبِهِ . وَقَدْ مَضَى هَذَا الْقَوْل فِي الْأَنْعَام . وَالْحَمْد لِلَّهِ . عَنْ طَلْحَة بْن سُلَيْمَان " جِنِيًّا " بِكَسْرِ الْجِيم لِلْإِتْبَاعِ ; أَيْ جَعَلْنَا لَك فِي السَّرِيّ وَالرُّطَب فَائِدَتَيْنِ : إِحَداهمَا الْأَكْل وَالشُّرْب , الثَّانِيَة سَلْوَة الصَّدْر لِكَوْنِهِمَا مُعْجِزَتَيْنِ .