صدقة جارية عن عبدالله الهقشا رحمه الله اللهم اغفر له وارحمه واجعل القرآن نورًا له
القرآن الكريم للجميع

كتاب الله بين يديك
قراءةً واستماعًا وتدبرًا

تصفح القرآن الكريم، استمع لقراء متعددين، واقرأ التفاسير وترجمات المعاني بعدة لغات في واجهة هادئة ومريحة.

مواقيت الصلاة اليوم

الرياض، المملكة العربية السعودية

——
الصلاة القادمة—--:--:--
الفجر--:--
الشروق--:--
الظهر--:--
العصر--:--
المغرب--:--
العشاء--:--
طريقة الحساب: أم القرى - مكة
القرآن الكريم للجميع

سورة الحج - تفسير القرطبي - الآية 35

سورة الحج - تفسير القرطبي - الآية 35
ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَٱلصَّٰبِرِينَ عَلَىٰ مَآ أَصَابَهُمْ وَٱلْمُقِيمِى ٱلصَّلَوٰةِ وَمِمَّا رَزَقْنَٰهُمْ يُنفِقُونَ ﴿٣٥﴾

سورة الحج تفسير القرطبي

فِيهِ مَسْأَلَتَانِ :

الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : " وَجِلَتْ قُلُوبهمْ " أَيْ خَافَتْ وَحَذِرَتْ مُخَالَفَته . فَوَصَفَهُمْ بِالْخَوْفِ وَالْوَجَل عِنْد ذِكْره , وَذَلِكَ لِقُوَّةِ يَقِينهمْ وَمُرَاعَاتهمْ لِرَبِّهِمْ , وَكَأَنَّهُمْ بَيْن يَدَيْهِ , وَوَصَفَهُمْ بِالصَّبْرِ وَإِقَامَة الصَّلَاة وَإِدَامَتهَا . وَرُوِيَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَة قَوْله : " وَبَشِّرْ الْمُخْبِتِينَ " نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْر وَعُمَر وَعَلِيّ رِضْوَان اللَّه عَلَيْهِمْ . وَقَرَأَ الْجُمْهُور " الصَّلَاة " بِالْخَفْضِ عَلَى الْإِضَافَة , وَقَرَأَ أَبُو عَمْرو " الصَّلَاة " بِالنَّصْبِ عَلَى تَوَهُّم النُّون , وَأَنَّ حَذْفهَا لِلتَّخْفِيفِ لِطُولِ الِاسْم . وَأَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ : الْحَافِظُو عَوْرَة الْعَشِيرَة الثَّانِيَة : هَذِهِ الْآيَة نَظِير قَوْله تَعَالَى : " إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّه وَجِلَتْ قُلُوبهمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاته زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبّهمْ يَتَوَكَّلُونَ " [ الْأَنْفَال : 2 ] , وَقَوْله تَعَالَى : " اللَّه نَزَّلَ أَحْسَن الْحَدِيث كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرّ مِنْهُ جُلُود الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبّهمْ ثُمَّ تَلِينَ جُلُودهمْ وَقُلُوبهمْ إِلَى ذِكْر اللَّه " [ الزُّمَر : 23 ] . هَذِهِ حَالَة الْعَارِفِينَ بِاَللَّهِ , الْخَائِفِينَ مِنْ سَطْوَته وَعُقُوبَته ; لَا كَمَا يَفْعَلهُ جُهَّال الْعَوَامّ وَالْمُبْتَدِعَة الطَّغَام مِنْ الزَّعِيق وَالزَّئِير , وَمِنْ النُّهَاق الَّذِي يُشْبِه نُهَاق الْحَمِير , فَيُقَال لِمَنْ تَعَاطَى ذَلِكَ وَزَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ وَجْد وَخُشُوع : إِنَّك لَمْ تَبْلُغ أَنْ تُسَاوِي حَال رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا حَال أَصْحَابه فِي الْمَعْرِفَة بِاَللَّهِ تَعَالَى وَالْخَوْف مِنْهُ وَالتَّعْظِيم لِجَلَالِهِ ; وَمَعَ ذَلِكَ فَكَانَتْ حَالهمْ عِنْد الْمَوَاعِظ الْفَهْم عَنْ اللَّه وَالْبُكَاء خَوْفًا مِنْ اللَّه . وَكَذَلِكَ وَصَفَ اللَّه تَعَالَى أَحْوَال أَهْل الْمَعْرِفَة عِنْد سَمَاع ذِكْره وَتِلَاوَة كِتَابه , وَمَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَلَيْسَ عَلَى هَدْيهمْ وَلَا عَلَى طَرِيقَتهمْ ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُول تَرَى أَعْيُنهمْ تَفِيض مِنْ الدَّمْع مِمَّا عَرَفُوا مِنْ الْحَقّ يَقُولُونَ رَبّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ " [ الْمَائِدَة : 83 ] . فَهَذَا وَصْف حَالهمْ وَحِكَايَة مَقَالهمْ ; فَمَنْ كَانَ مُسْتَنًّا فَلْيَسْتَنَّ , وَمَنْ تَعَاطَى أَحْوَال الْمَجَانِين وَالْجُنُون فَهُوَ مِنْ أَخَسّهمْ حَالًا ; وَالْجُنُون فُنُون . رَوَى الصَّحِيح عَنْ أَنَس بْن مَالِك أَنَّ النَّاس سَأَلُوا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَحْفَوْهُ فِي الْمَسْأَلَة , فَخَرَجَ ذَات يَوْم فَصَعِدَ الْمِنْبَر فَقَالَ : ( سَلُونِي لَا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْء إِلَّا بَيَّنْته لَكُمْ مَا دُمْت فِي مَقَامِي هَذَا ) فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ الْقَوْم أَرَمُّوا وَرَهِبُوا أَنْ يَكُون بَيْن [ يَدَيْ ] أَمْر قَدْ حَضَرَ . قَالَ أَنَس : فَجَعَلْت أَلْتَفِت يَمِينًا وَشِمَالًا فَإِذَا كُلّ إِنْسَان لَافّ رَأْسه فِي ثَوْبه يَبْكِي . وَذَكَرَ الْحَدِيث . وَقَدْ مَضَى الْقَوْل فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة بِأَشْبَعَ مِنْ هَذَا فِي سُورَة " الْأَنْفَال " وَالْحَمْد لِلَّهِ .