صدقة جارية عن عبدالله الهقشا رحمه الله اللهم اغفر له وارحمه واجعل القرآن نورًا له
القرآن الكريم للجميع

كتاب الله بين يديك
قراءةً واستماعًا وتدبرًا

تصفح القرآن الكريم، استمع لقراء متعددين، واقرأ التفاسير وترجمات المعاني بعدة لغات في واجهة هادئة ومريحة.

مواقيت الصلاة اليوم

الرياض، المملكة العربية السعودية

——
الصلاة القادمة—--:--:--
الفجر--:--
الشروق--:--
الظهر--:--
العصر--:--
المغرب--:--
العشاء--:--
طريقة الحساب: أم القرى - مكة
القرآن الكريم للجميع

سورة المائدة - تفسير القرطبي - الآية 49

سورة المائدة - تفسير القرطبي - الآية 49
وَأَنِ ٱحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ وَٱحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَنۢ بَعْضِ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ إِلَيْكَ ۖ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَٱعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ ۗ وَإِنَّ كَثِيرًۭا مِّنَ ٱلنَّاسِ لَفَٰسِقُونَ ﴿٤٩﴾

سورة المائدة تفسير القرطبي

تَقَدَّمَ الْكَلَام فِيهَا , وَأَنَّهَا نَاسِخَة لِلتَّخْيِيرِ . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَهَذِهِ دَعْوَى عَرِيضَة ; فَإِنَّ شُرُوط النَّسْخ أَرْبَعَة : مِنْهَا مَعْرِفَة التَّارِيخ بِتَحْصِيلِ الْمُتَقَدِّم وَالْمُتَأَخِّر , وَهَذَا مَجْهُول مِنْ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ ; فَامْتَنَعَ أَنْ يُدَّعَى أَنَّ وَاحِدَة مِنْهُمَا نَاسِخَة لِلْأُخْرَى , وَبَقِيَ الْأَمْر عَلَى حَاله . قُلْت : قَدْ ذَكَرْنَا عَنْ أَبِي جَعْفَر النَّحَّاس أَنَّ هَذِهِ الْآيَة مُتَأَخِّرَة فِي النُّزُول ; فَتَكُون نَاسِخَة إِلَّا أَنْ يُقَدَّر فِي الْكَلَام " وَأَنْ اُحْكُمْ بَيْنهمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّه " إِنْ شِئْت ; لِأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْر التَّخْيِير لَهُ , فَآخِر الْكَلَام حُذِفَ التَّخْيِيرُ مِنْهُ لِدَلَالَةِ الْأَوَّل عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ مَعْطُوف عَلَيْهِ , فَحُكْم التَّخْيِير كَحُكْمِ الْمَعْطُوف عَلَيْهِ , فَهُمَا شَرِيكَانِ وَلَيْسَ الْآخَر بِمُنْقَطِعٍ مِمَّا قَبْله ; إِذْ لَا مَعْنَى لِذَلِكَ وَلَا يَصِحّ , فَلَا بُدّ مِنْ أَنْ يَكُون قَوْله : " وَأَنْ اُحْكُمْ بَيْنهمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّه " مَعْطُوفًا عَلَى مَا قَبْله مِنْ قَوْله : " وَإِنْ حَكَمْت فَاحْكُمْ بَيْنهمْ بِالْقِسْطِ " وَمِنْ قَوْله : " فَإِنْ جَاءُوك فَاحْكُمْ بَيْنهمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ " فَمَعْنَى " وَأَنْ اُحْكُمْ بَيْنهمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّه " أَيْ اُحْكُمْ بِذَلِكَ إِنْ حَكَمْت وَاخْتَرْت الْحُكْم ; فَهُوَ كُلّه مُحْكَم غَيْر مَنْسُوخ , لِأَنَّ النَّاسِخ لَا يَكُون مُرْتَبِطًا بِالْمَنْسُوخِ مَعْطُوفًا عَلَيْهِ , فَالتَّخْيِير لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ مُحْكَم غَيْر مَنْسُوخ , قَالَهُ مَكِّيّ رَحِمَهُ اللَّه . " وَأَنْ اُحْكُمْ " فِي مَوْضِع نَصْب عَطْفًا عَلَى الْكِتَاب ; أَيْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْك أَنْ اُحْكُمْ بَيْنهمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّه , أَيْ بِحُكْمِ اللَّه الَّذِي أَنْزَلَهُ إِلَيْك فِي كِتَابه .



" أَنْ " بَدَلٌ مِنْ الْهَاء وَالْمِيم فِي " وَاحْذَرْهُمْ " وَهُوَ بَدَل اِشْتِمَال . أَوْ مَفْعُول مِنْ أَجْله ; أَيْ مِنْ أَجْل أَنْ يَفْتِنُوك , وَعَنْ اِبْن إِسْحَاق قَالَ اِبْن عَبَّاس : اِجْتَمَعَ قَوْم مِنْ الْأَحْبَار مِنْهُمْ اِبْن صُورِيَّا وَكَعْب بْن أَسَد وَابْن صَلُوبَا وَشَأْس بْن عَدِيّ وَقَالُوا : اِذْهَبُوا بِنَا إِلَى مُحَمَّد فَلَعَلَّنَا نَفْتِنهُ عَنْ دِينه فَإِنَّمَا هُوَ بَشَر ; فَأَتَوْهُ فَقَالُوا : قَدْ عَرَفْت يَا مُحَمَّد أَنَّا أَحْبَار الْيَهُود , وَإِنْ اِتَّبَعْنَاك لَمْ يُخَالِفنَا أَحَد مِنْ الْيَهُود , وَإِنَّ بَيْننَا وَبَيْن قَوْم خُصُومَة فَنُحَاكِمهُمْ إِلَيْك , فَاقْضِ لَنَا عَلَيْهِمْ حَتَّى نُؤْمِن بِك ; فَأَبَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة , وَأَصْل الْفِتْنَة الِاخْتِبَار حَسْبَمَا تَقَدَّمَ , ثُمَّ يَخْتَلِف مَعْنَاهَا ; فَقَوْله تَعَالَى هُنَا " يَفْتِنُوك " مَعْنَاهُ يَصُدُّوك وَيَرُدُّوك ; وَتَكُون الْفِتْنَة بِمَعْنَى الشِّرْك ; وَمِنْهُ قَوْله : " وَالْفِتْنَة أَكْبَرُ مِنْ الْقَتْل " [ الْبَقَرَة : 217 ] وَقَوْله : " وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُون فِتْنَة " [ الْأَنْفَال : 39 ] , وَتَكُون الْفِتْنَة بِمَعْنَى الْعِبْرَة ; كَقَوْلِهِ : " لَا تَجْعَلنَا فِتْنَة لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ " [ يُونُس : 85 ] . و " لَا تَجْعَلنَا فِتْنَة لِلَّذِينَ كَفَرُوا " [ الْمُمْتَحِنَة : 5 ] , وَتَكُون الْفِتْنَة الصَّدّ عَنْ السَّبِيل كَمَا فِي هَذِهِ الْآيَة , وَتَكْرِير " وَأَنْ اُحْكُمْ بَيْنهمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّه " لِلتَّأْكِيدِ , أَوْ هِيَ أَحْوَال وَأَحْكَام أَمَرَهُ أَنْ يَحْكُم فِي كُلّ وَاحِد بِمَا أَنْزَلَ اللَّه , وَفِي الْآيَة دَلِيل عَلَى جَوَاز النِّسْيَان عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; لِأَنَّهُ قَالَ : " أَنْ يَفْتِنُوك " وَإِنَّمَا يَكُون ذَلِكَ عَنْ نِسْيَان لَا عَنْ تَعَمُّد . وَقِيلَ : الْخِطَاب لَهُ وَالْمُرَاد غَيْره , وَسَيَأْتِي بَيَان هَذَا فِي " الْأَنْعَام " إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى



عَنْ كُلّ مَا أَنْزَلَ اللَّه إِلَيْك , وَالْبَعْض يُسْتَعْمَل بِمَعْنَى الْكُلّ قَالَ الشَّاعِر : أَوْ يَعْتَبِطَ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمَامُهَا وَيُرْوَى أَوْ يَرْتَبِط . أَرَادَ كُلّ النُّفُوس ; وَعَلَيْهِ حَمَلُوا قَوْله تَعَالَى : " وَلِأُبَيِّن لَكُمْ بَعْض الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ " [ الزُّخْرُف : 63 ] . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَالصَّحِيح أَنَّ " بَعْض " عَلَى حَالهَا فِي هَذِهِ الْآيَة , وَأَنَّ الْمُرَاد بِهِ الرَّجْم أَوْ الْحُكْم الَّذِي كَانُوا أَرَادُوهُ وَلَمْ يَقْصِدُوا أَنْ يَفْتِنُوهُ عَنْ الْكُلّ , وَاللَّه أَعْلَمُ .



أَيْ فَإِنْ أَبَوْا حُكْمك وَأَعْرَضُوا عَنْهُ



أَيْ يُعَذِّبهُمْ بِالْجَلَاءِ وَالْجِزْيَة وَالْقَتْل , وَكَذَلِكَ كَانَ , وَإِنَّمَا قَالَ : " بِبَعْضِ " لِأَنَّ الْمُجَازَاة بِالْبَعْضِ كَانَتْ كَافِيَة فِي التَّدْمِير عَلَيْهِمْ .



يَعْنِي الْيَهُود .