صدقة جارية عن عبدالله الهقشا رحمه الله اللهم اغفر له وارحمه واجعل القرآن نورًا له
القرآن الكريم للجميع

كتاب الله بين يديك
قراءةً واستماعًا وتدبرًا

تصفح القرآن الكريم، استمع لقراء متعددين، واقرأ التفاسير وترجمات المعاني بعدة لغات في واجهة هادئة ومريحة.

مواقيت الصلاة اليوم

الرياض، المملكة العربية السعودية

——
الصلاة القادمة—--:--:--
الفجر--:--
الشروق--:--
الظهر--:--
العصر--:--
المغرب--:--
العشاء--:--
طريقة الحساب: أم القرى - مكة
القرآن الكريم للجميع

سورة الرعد - تفسير القرطبي - الآية 15

سورة الرعد - تفسير القرطبي - الآية 15
وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَن فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ طَوْعًۭا وَكَرْهًۭا وَظِلَٰلُهُم بِٱلْغُدُوِّ وَٱلْءَاصَالِ ۩ ﴿١٥﴾

سورة الرعد تفسير القرطبي

قَالَ الْحَسَن وَقَتَادَة وَغَيْرهمَا : الْمُؤْمِن يَسْجُد طَوْعًا , وَالْكَافِر يَسْجُد كَرْهًا بِالسَّيْفِ . وَعَنْ قَتَادَة أَيْضًا : يَسْجُد الْكَافِر كَارِهًا حِين لَا يَنْفَعهُ الْإِيمَان . وَقَالَ الزَّجَّاج : سُجُود الْكَافِر كَرْهًا مَا فِيهِ مِنْ الْخُضُوع وَأَثَر الصَّنْعَة . وَقَالَ اِبْن زَيْد : " طَوْعًا " مَنْ دَخَلَ فِي الْإِسْلَام رَغْبَة , و " كَرْهًا " مَنْ دَخَلَ فِيهِ رَهْبَة بِالسَّيْفِ. وَقِيلَ : " طَوْعًا " مَنْ طَالَتْ مُدَّة إِسْلَامه فَأَلِفَ السُّجُود , و " كَرْهًا " مَنْ يُكْرِه نَفْسه لِلَّهِ تَعَالَى ; فَالْآيَة فِي الْمُؤْمِنِينَ , وَعَلَى هَذَا يَكُون مَعْنَى " وَالْأَرْض " وَبَعْض مَنْ فِي الْأَرْض . قَالَ الْقُشَيْرِيّ : وَفِي الْآيَة مَسْلَكَانِ : أَحَدهمَا : أَنَّهَا عَامَّة وَالْمُرَاد بِهَا التَّخْصِيص ; فَالْمُؤْمِن يَسْجُد طَوْعًا , وَبَعْض الْكُفَّار يَسْجُدُونَ إِكْرَاهًا وَخَوْفًا كَالْمُنَافِقِينَ ; فَالْآيَة مَحْمُولَة عَلَى هَؤُلَاءِ , ذَكَرَهُ الْفَرَّاء. وَقِيلَ عَلَى هَذَا الْقَوْل : الْآيَة فِي الْمُؤْمِنِينَ ; مِنْهُمْ مَنْ يَسْجُد طَوْعًا لَا يَثْقُل عَلَيْهِ السُّجُود , وَمِنْهُمْ مَنْ يَثْقُل عَلَيْهِ ; لِأَنَّ اِلْتِزَام التَّكْلِيف مَشَقَّة , وَلَكِنَّهُمْ يَتَحَمَّلُونَ الْمَشَقَّة إِخْلَاصًا وَإِيمَانًا , إِلَى أَنْ يَأْلَفُوا الْحَقّ وَيَمْرُنُوا عَلَيْهِ . وَالْمَسْلَك الثَّانِي : وَهُوَ الصَّحِيح - إِجْرَاء الْآيَة عَلَى التَّعْمِيم ; وَعَلَى هَذَا طَرِيقَانِ : أَحَدهمَا : أَنَّ الْمُؤْمِن يَسْجُد طَوْعًا , وَأَمَّا الْكَافِر فَمَأْمُور بِالسُّجُود مُؤَاخَذ بِهِ . وَالثَّانِي : وَهُوَ الْحَقّ - أَنَّ الْمُؤْمِن يَسْجُد بِبَدَنِهِ طَوْعًا , وَكُلّ مَخْلُوق مِنْ الْمُؤْمِن وَالْكَافِر يَسْجُد مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ مَخْلُوق , يَسْجُد دَلَالَة وَحَاجَة إِلَى الصَّانِع ; وَهَذَا كَقَوْلِهِ : " وَإِنْ مِنْ شَيْء إِلَّا يُسَبِّح بِحَمْدِهِ " [ الْإِسْرَاء : 44 ] وَهُوَ تَسْبِيح دَلَالَة لَا تَسْبِيح عِبَادَة .



أَيْ ظِلَال الْخَلْق سَاجِدَة لِلَّهِ تَعَالَى بِالْغُدُوِّ وَالْآصَال ; لِأَنَّهَا تَبِين فِي هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ , وَتَمِيل مِنْ نَاحِيَة إِلَى نَاحِيَة ; وَذَلِكَ تَصْرِيف اللَّه إِيَّاهَا عَلَى مَا يَشَاء ; وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّه مِنْ شَيْء يَتَفَيَّأُ ظِلَاله عَنْ الْيَمِين وَالشَّمَائِل سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ " [ النَّحْل : 48 ] قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَغَيْره . وَقَالَ مُجَاهِد : ظِلّ الْمُؤْمِن يَسْجُد طَوْعًا وَهُوَ طَائِع ; وَظِلّ الْكَافِر يَسْجُد كَرْهًا وَهُوَ كَارِه . وَقَالَ اِبْن الْأَنْبَارِيّ : يُجْعَل لِلظِّلَالِ عُقُول تَسْجُد بِهَا وَتَخْشَع بِهَا , كَمَا جُعِلَ لِلْجِبَالِ أَفْهَام حَتَّى خَاطَبَتْ وَخُوطِبَتْ. قَالَ الْقُشَيْرِيّ : فِي هَذَا نَظَر ; لِأَنَّ الْجَبَل عَيْن , فَيُمْكِن أَنْ يَكُون لَهُ عَقْل بِشَرْطِ تَقْدِير الْحَيَاة , وَأَمَّا الظِّلَال فَآثَار وَأَعْرَاض , وَلَا يُتَصَوَّر تَقْدِير الْحَيَاة لَهَا , وَالسُّجُود بِمَعْنَى الْمَيْل ; فَسُجُود الظِّلَال مَيْلهَا مِنْ جَانِب إِلَى جَانِب ; يُقَال : سَجَدَتْ النَّخْلَة أَيْ مَالَتْ . و " الْآصَال " جَمْع أُصُل , وَالْأُصُل جَمْع أَصِيل ; وَهُوَ مَا بَيْن الْعَصْر إِلَى الْغُرُوب , ثُمَّ أَصَائِل جَمْع الْجَمْع ; قَالَ أَبُو ذُؤَيْب الْهُذَلِيّ : لَعَمْرِي لَأَنْتَ الْبَيْت أُكْرِمَ أَهْله وَأَقْعدُ فِي أَفْيَائِهِ بِالْأَصَائِلِ و " ظِلَالهمْ " يَجُوز أَنْ يَكُون مَعْطُوفًا عَلَى " مَنْ " وَيَجُوز أَنْ يَكُون اِرْتَفَعَ بِالِابْتِدَاءِ وَالْخَبَر مَحْذُوف ; التَّقْدِير : وَظِلَالهمْ سُجَّد بِالْغُدُوِّ وَالْآصَال و " بِالْغُدُوِّ " يَجُوز أَنْ يَكُون مَصْدَرًا , وَيَجُوز أَنْ يَكُون جَمْع غَدَاة ; يُقَوِّي كَوْنه جَمْعًا مُقَابَلَة الْجَمْع الَّذِي هُوَ الْآصَال بِهِ .